فخر الدين الرازي

407

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من اللّه لنت لهم ، وهذا هو الأصوب عندي . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة اللّه هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيماً بالأمة ، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة إلا للّه سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن اللّه ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك ، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا للّه : وثانيها : أن كل رحيم سوى اللّه تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا ، إما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ، أو طلبا للذكر الجميل ، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم ، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم البتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا للّه ، وثالثها : أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال معه سلامة الأعضاء ، وهي ليس إلا من اللّه تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا للّه ، وأما في الظاهر فكل من أعانه اللّه على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام : « الراحمون يرحمهم الرحمن » وقال في صفة محمد عليه السلام : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] ثم قال تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . واعلم أن كمال رحمة اللّه في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل . المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه اللّه تعالى : الفظ ، الغليظ الجانب السيء الخلق ، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله : حذر من حذرت ، وفرق من فرقت ، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب ، وأصله صبب ، وأما « الفض » بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم تفرقوا ، قال تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض اللّه فاك . فإن قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟ قلنا : الفظ الذي يكون سئ الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ، فقد / لا يكون الإنسان سئ الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه . المسألة الثانية : إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف اللّه إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم اليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بإعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيئاتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة . وحمل القفال رحمه اللّه هذه الآية على واقعة أحد قال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لا نفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما